اليتيم, عبد اللطيف، رضوان أديبايو

 

مجلة أكاديمية منارة الضاد للدراسات الإنسانية والاجتماعية

اليتيم

عبد اللطيف، رضوان أديبايو
عنوان النص
اليتيم
الكاتب
عبد اللطيف، رضوان أديبايو
المجلة


مجلة أكاديمية منارة الضاد للدراسات الإنسانية والاجتماعية
النص الكامل

كانَ اليَتيمُ مَنْ فَقَدَ أَباهُ، ولا يُمْكِنُ اللِّقاءُ مَعَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَّا في أَحْلامِهِ أَوْ دُعائِهِ. وَلٰكِنَّ هٰذا اليَتيمَ لَمْ يَزَلْ يُجالِسُ أَباهُ وَيُبْكِيهِ مَعَ أَبِيهِ نَفْسِهِ.

تَبْدَأُ قِصَّتُهُ مِنْ يَوْمِ عُزِلَ أَبوهُ عَنِ العَمَلِ، بَعْدَ أَنْ خَدَمَ شَرِكَةً حُكُومِيَّةً نَحْوَ ثَلاثِينَ سَنَةً، لِسَبَبٍ لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَالعازِلُونَ. وَقَدْ شارَفَ سِنَّ التَّقاعُدِ عَنِ العَمَلِ، فَمُنِعَ مِنَ المَعاشِ، وَلا شَرِكَةَ تَقْبَلُ الكَبِيرَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّبابِ.

فَصارَ يَعِيشُ في خَصاصَةٍ وَبِطالَةٍ، فَحَزِنَ عَلى حالِهِ حُزْنًا شَدِيدًا، عَقَبَهُ مَرَضٌ لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَنْ يَقُومَ بِشَيْءٍ. وَقَدْ تَرَكَ ابْنُهُ الجامِعَةَ لِفَقْدِ مَنْ يَتَكَفَّلُ بِدَفْعِ رُسُومِ الدِّراسَةِ، وَلِيَقُومَ بِرِعايَةِ أَبِيهِ المَرِيضِ.

فَصارَ يَذْهَبُ إِلَى العَمَلِ لِيَكْسِبَ مالَ الدَّواءِ وَالطَّعامِ، فَصارَ أَبَا أَبِيهِ وَأَبَا أُمِّهِ. وَمَرَّتْ عَلى مَرَضِ الأَبِ أَيَّامٌ طَوِيلَةٌ، وَما كادَتْ شَمْسُ شِفائِهِ تُشْرِقُ. وَقَدْ أَثْقَلَ الاِبْنَ القِيامُ بِالمَسْؤُولِيَّاتِ الَّتِي تَفُوقُ سِنَّهُ، وَقَدِ افْتَقَدَ الجامِعَةَ وَأَجْواءَ تِلْكَ الفُصُولِ الَّتِي تَمْتَلِئُ بِالعُلُومِ الَّتِي تُزِيلُ الأَوْهامَ، وَكانَ كَسْبُهُ اليَوْمِيُّ لا يَسُدُّ إِلَّا حَوائِجَهُمُ اليَوْمِيَّةَ.

وَبَعْدَ أَشْهُرٍ قَصِيرَةٍ، وَضَعَتْ وِزارَةُ التَّعْلِيمِ مَنَحًا دِراسِيَّةً لِلأَيْتامِ، وَمِنْ مُتَطَلَّباتِ المِنْحَةِ شَهادَةُ وَفاةِ الأَبِ. فَرَأَى ذٰلِكَ اللَّيْلَ الطَّوِيلَ يُشْرِفُ عَلَى الاِنْجِلَاءِ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ مَرَّتَيْنِ فِي تَسْجِيلِ اسْمِ أَبِيهِ مِنْ مَوْتَى الوَطَنِ.

وَلَمَّا قُبِلَ يَوْمَ المُقابَلَةِ الشَّخْصِيَّةِ، صاحَ صَيْحَةً شَدِيدَةً، يَقُولُ: «واأَبَتاهُ! واأَبَتاهُ!» فَأَخَذَ الحُضُورَ بِهِ رَأْفَةٌ، وَأَخْلَصُوا أَبَاهُ بِالدُّعاءِ، وَشَعَرُوا بِالوَحْشَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِها اليَتِيمُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى عَيْنَيْهِ.

وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى البَيْتِ، وَعَلِمَ أَبُوهُ ما جَرَى لَهُ مِنْ أُمُورٍ، بَكَى عَلَى نَفْسِهِ، وَرَأَى عَجْزَهُ وَخُسْرانَهُ، وَصُوَرَ مَوْتاتِهِ الَّتِي سَيَمُوتُها قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ المُحَقَّقُ، وَالدَّفَناتِ الَّتِي سَيَدْفِنُهُ ابْنُهُ فِيهَا حَيًّا. وَزَوْجَتُهُ بِجانِبِهِ تَنْتَحِبُ انْتِحابًا شَدِيدًا، وَهِيَ تَقُولُ: «واابْناهُ! واابْناهُ! بِأَيِّ ذَنْبٍ قَتَلْتَ أَباكَ؟ بِأَيِّ ذَنْبٍ قَتَلْتَ أَباكَ؟»



مجلة أكاديمية منارة الضاد للدراسات الإنسانية والاجتماعية

تعليقات

إرسال تعليق

نرحب بتعليقاتكم العلمية البنّاءة، وتخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر حفاظًا على جودة المحتوى واحترام أخلاقيات الحوار.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نجوم التعليم الفرنكوعربي في غينيا: التميز يجمع المواهب بين غينيا ومالي

دور المعرفة والحوار في بناء مجتمع أكثر سلامًا