حين تنطق الأشياء بالصمت ، عبد الله محمد مصطفى صاحب الصلاة


نص أدبي

حين تنطق الأشياء بالصمت



عبد الله محمد مصطفى
صاحب الصلاة
العنوان
حين تنطق الأشياء بالصمت
الكاتب
عبد الله محمد مصطفى
صفة الكاتب
صاحب الصلاة

ما أكثر ما نتكلم، وما أقل ما نقول! وربما كان الصمت أبلغ من كثير من الكلام، لا لأنه خلوٌّ من المعنى، بل لأنه قد يكون ممتلئًا بما عجز اللسان عن حمله.

تأملتُ يومًا الأشياء من حولي، فرأيتُ فيها كلامًا لا يُسمع، ورسائل لا تُكتب، وحكايات لا تحتاج إلى راوٍ. رأيتُ بابًا قديمًا يقف في مكانه صامتًا، كأنه يحفظ أسرار الذين عبروا عتبته ثم مضوا، وكتابًا أكلت أطرافه السنون، كأن صفحاته تحمل أعمارًا كاملة لا حروفًا فحسب، وقلمًا سكن بعد طول كتابة، وكأن بين أصابعه من الحكايات ما لا يستطيع أن يرويه.

وللأشياء صمتٌ يختلف عن صمت الإنسان. فالإنسان قد يصمت لأنه لا يريد أن يتكلم، وقد يصمت لأنه لا يجد ما يقول، أما الأشياء فتصمت لأنها تترك لك مهمة اكتشاف ما فيها.

وكم من وجهٍ صامت قال ما لم تقله الشفاه! وكم من عينٍ أخفت وراء سكونها قصةً طويلة! قد يجلس المرء بين الناس هادئًا، لا يشكو ولا يتذمر، فيحسبه من يراه سالمًا من الهم، وما يدري أن في صدره حديثًا لو نطق به لأطال الكلام.

ولعل أعجب الصمت صمت الذين اعتددْنا أصواتهم. فإذا غاب صوتٌ ألفناه، أدركنا أن بعض الأصوات كانت جزءًا من حياتنا دون أن نشعر. عندها نتعلم أن قيمة الأشياء لا تظهر دائمًا حين تكون بين أيدينا، بل قد تظهر حين نفتقدها.

حتى الأماكن تتكلم بصمتها. تدخل غرفةً كان يملؤها بالأمس حديثٌ وضحك، فإذا هي اليوم ساكنة، فتشعر أن الجدران نفسها تفتقد شيئًا. وتمشي في طريقٍ كنت تسلكه مع أناس تحبهم، فتجد الطريق هو الطريق، والأشجار هي الأشجار، ولكن شيئًا ما قد تغيّر؛ لأن المكان لا يحتفظ بالأجساد وحدها، بل يحتفظ بآثار أصحابها.

والكتاب أيضًا قد يصمت، لكنه لا يخلو من الكلام. تفتح صفحاته بعد سنوات، فتجد جملةً مررت عليها يومًا ولم تلتفت إليها، فإذا بها اليوم تصيب منك موضعًا لم تكن تعرفه من قبل. كأن الكلمات لم تتغير، وإنما تغير القارئ.

وهكذا بعض الأشياء لا تتكلم إلا حين ننضج بما يكفي لنسمعها.

وليس الصمت دائمًا علامة ضعف؛ فقد يكون في بعض المواطن حكمة، وفي بعضها رحمة، وفي بعضها كرامة. فكم من كلمة لو قيلت لأفسدت ما أصلحه الصمت، وكم من جواب كان السكوت عنه أبلغ من ألف جواب.

لكن الصمت قد يكون قاسيًا أيضًا، حين يكون الإنسان محتاجًا إلى كلمة ولا يجدها، أو ينتظر اعتذارًا فلا يأتي، أو يرجو سؤالًا عن حاله فلا يسأل عنه أحد. عندها يصبح الصمت شيئًا أثقل من الكلام، لأن الإنسان لا يتألم من الكلمات التي قيلت فحسب، بل من الكلمات التي كان ينتظرها ولم تُقل.

ولذلك ربما كان علينا أن نتعلم الإصغاء إلى ما وراء الكلام؛ أن نقرأ الوجوه، ونفهم الغياب، وننتبه إلى تغير النبرات، ونقدر الأشياء الصغيرة التي يمر بها الناس من حولنا دون أن يعلنوا حاجتهم إليها.

فليس كل محتاجٍ يمد يده، ولا كل حزينٍ يبكي، ولا كل مشتاقٍ يسأل، ولا كل متعبٍ يشكو.

وقد يكون أجمل ما نستطيع فعله أحيانًا أن ننتبه.

أن نسأل قبل أن يُطلب منا السؤال، وأن نطمئن قبل أن يشتد القلق، وأن نقول كلمةً طيبة قبل أن يطول الصمت.

فالأشياء من حولنا لا تزال تتكلم، ولكن بأصوات خفية؛ والقلوب من حولنا لا تزال ترسل رسائلها، ولكن بلغة لا يجيد قراءتها إلا من كان له قلبٌ يصغي.

ولعل الصمت، في نهاية الأمر، ليس غياب الكلام، وإنما كلامٌ ينتظر من يفهمه.


style="width:70px;height:70px;object-fit:cover;border-radius:50%;border:3px solid #d9bd7a;padding:2px;background:#fff;margin-bottom:8px;">
عبد الله محمد مصطفى
صاحب الصلاة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نجوم التعليم الفرنكوعربي في غينيا: التميز يجمع المواهب بين غينيا ومالي

دور المعرفة والحوار في بناء مجتمع أكثر سلامًا